تبوأت شجرة الزيتون مكانة هامة في الحضارات القديمة وهي وإضافة الى ما مثلته كغذاء ودواء أحرزت مكانة رمزية لدى الشعوب كأحد أركان ثقافة الحياة والسلام ولئن لم يستقر رأي المؤرخين وعلماء الآثار حول مكان نشأتها ،فإنهم اتفقوا على قدم هذه الشجرة المباركة في حوض البحر الأبيض المتوسط

في سياق هذا التاريخ العريق لم تكن تونس غائبة حيث سجل المؤرخون حصورا بارزا للزيتونة في نوعها المزروع والمثمر في بلادنا منذ العهد القرطا جني ,مرورا بالحقبة الرومانية وما وجود مصابيح طينية ولوحات فسيفسائية و ترمز للزيتونة والزيت إلا خير شاهد على ذلك

تاريخ الزيتون في صفاقس

يعود تاريخ الزيتون في شكله البري ( الزبوس ) في تونس وفق الدكتور محمد حسين فنطر الى آلاف السنين وفي شكلها المغروس إلى ما قبل العصر الروماني حيث غرس القرطاجيون أشجار الزيتون في عدة مناطق من البلاد التونسية

لقد اعتقد الكثيرون أنّ الزيتونة شجرة دخيلة على البلاد التونسية لم تصلها إلا في عهد الرومان إلا أنّ الأبحاث التاريخية دلت على أنّ شجرة الزيتون انشرت في العهد القرطاجيّ وان الفنيقيين هم الذين أدخلوا هذه الشجرة إلى تونس. وقام القرطاجيّون بدور مهمّ في انتشارها بالبلاد إذ غرست أشجار الزيتون في مساحات شاسعة من الأراضي بإكثار الأشجار سواء بغراسة الأصول المكثّرة أو بتطعيم الأشجار البرّية أو “الزبوس” والملاحظ أنّ الوثائق، رغم قلتها، تشير بوضوح على نحو لا يحتمل الرّيب إلى وجود غابات الزيتون الكثيفة في الربوع القرطاجية .

وممّا يؤكد اهتمام القرطاجيين بالفلاحة وبزارعة الزيتون خاصة:

  • بروز علماء في هذا القطاع الحيوي مثل ماغون الذي ألّف كتابا في العلوم الفلاحية يشتمل على 28 جزءا يعتبر مرجعا علميا مهمّا في علم الاقتصاد الزراعي. ولقد استعرض فيه طرق غراسة أشجار الزيتون والعناية بها.
  • وجود معالم أثريّة تحمل زخارف نباتيّة تمثّل أشجار الزيتون وأغصانها وأدوات فلاحية للعناية بها. وقد وجدت تلك الزخارف منقوشة على الأنصاب بقرطاج. وجاءت بقايا الآثار المعمارية بضاحية المرسى مدعومة لما عرفت به مروج ماجرة الغنّاء.

ولم تكن غابة الزيتون مقصورة على ضواحي قرطاج بل كانت منتشرة في عدة جهات ولا أدلّ على ذلك من أنّ الضرائب الموظفة كانت تستخلص زيتا، وفي ذلك إشارة إلى أهمية الزيتونة.

لقد أشار ماغون الذي ألّف كتابا في العلوم الفلاحية يشتمل على 28 جزءا والذي يعتبر مرجعا علميا مهمّا في علم الاقتصاد الزراعي إلى طرق غراسة أشجار الزيتون والعناية بها موصيا بغراسة الزّيتون في التّلّ والأرض الجافّة والطفليّة بين الخريف والانقلاب الشّتويّ، وفي التّربة الدّسمة أو النّزّّة أو الرّطبة قليلا من موسم الحصاد إلى الانقلاب الشّتويّ

وتشير المصادر التاريخية الى أن القرطاجنيين غرسوا الزيتون في الساحل وصفاقس حيث أكد هيرودوتس اليوناني الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد انتشار أشجار الزيتون بالشمال الشرقي والساحل وبجزيرة قرقنة (الموسوعة التونسية)

وشهد قطاع الزيتون في صفاقس دفعا كبيرا في الفترة الرومانية واستمرت تقاليد التشجير بالزيتون بعد الفتوحات الإسلامية، لتتدعم بعد تأسيس مدينة صفاقس على يد الأغالبة بإنشاء غابة زيتون حول المدينة

الزيتونة في صفاقس وفق أدب الرحالة

تحدث”ابن حوقل” في القرن العاشر ميلادي عن تخصص مدينة صفاقس في إنتاج الزيتون والزيت وتحولها إلى مركز تجاري مهم قائلا “
مدينة صفاقس مدينة جل غلاتها الزيتون و الزيت, و بها منه ما ليس بغيرها مثله و كان سعره عندهم فيما سلف من الزمان بحال غيرته الفتن في وقتنا هذا [القرن 10] ربما بلغ من ستين قفيزا بدينار الى مائة قفيز بدينار, على حسب السنة و ريعها. وزيت مصر,في وقتنا  هذا, فمن ناحيتها يجلب لقلته من الشام. و هي ناحية على نحر البحر و لها مرسى ميت الماء  و عليها سور من حجارة و ابواب حديد منيعة و فيها محارس مبنية للرباط بها. و اسواقها عامرة و هي قليلة الكروم و فاكهتها من قابس تسد حاجة اهلها. و شرب اهلها من مواجل بها و مواجلها صالحة الطعوم حافظة لما استودعت. و لهم من صيود السمك ما يكثر و يعظم, تصاد بحضائر قد زربت و عملت في الماء فتؤخذ بايسر سعي.و بناؤها بالحجارة و الجير. و بينها و بين المهدية مرحلتان و لها عامل عليها للسلطان بذاته

ووقف “أبو عبيد البكري” عند أهمية زيت الزيتون في المبادلات التجارية لمدينة صفاقس بقوله “صفاقس في وسط غابة زيتون ومن زيتها يمتار أهل مصر وأهل المغرب وصقلية والروم … وهي محطة السفن يقصدها التجار من الآفاق بالأصول الجزيلة لابتياع المتاع والزيت”

ووفق الادريسي قي كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ”
مدينة سفاقس, مدينة قديمة عامرة لها اسواق كثيرة و عمارة شاملة و عليها سور من حجارة و ابواب عليها صفائح حديد منيعة, و على اسوارها محارس نفيسة للرباط و اسواقها متحركة و شرب اهلها من المواجل و يجلب اليها من مدينة قابس نفيس الفواكه و عجيب انواعها ما يكفيها و يربى كثرة و رخص قيمة. و يصاد بها السمك ما يعظم خطره و يكبر قدره. و اكثر صيدهم بالزروب المنصوبة لهم في الماء الميت بضروب حيل. و جل غلاتها الزيتون و الزيت و بها منه ما ليس يوجد بغيرها مثله. و بها مرسى حسن ميت الماء و بالجملة من اعز البلاد و اهلها لهم نخوة و في انفسهم عزة. و افتتحها الملك المعظم رجار في عام 543ه  [1148م] و هي الان معمورة و ليست مثلها كانت من العمارة و الاسواق و المتاجر في الزمن القديم. و من سفاقس الى المهدية مرحلتان

وجاء في كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار ”


سفاقس مدينة ازلية عليها غابة كبيرة من الزيتون و زيتها اطيب من كل زيت الا الشرقي, و من الناس من يفضله عليه. و منها يمتار اهل افريقية الزيت و تحمله المراكب الى بلاد الروم و عليه معول اهل صقلية و ايطالية و انكبوردة و قلورية و جميع سواحل الارض الكبيرة لكثرته و طيبه. و قد كانوا ملكوا هذه الجهات الساحلية الى ان اخرجهم منها امير المؤمنين سنة 555ه  [1160م]

وجاء في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي ”
سفاقس, بفتح اوله و بعد الالف قاف و اخره سين مهملة: مدينة من نواحي افريقية جل غلاتها الزيتون, و هي على ضفة الساحل بينها و بين المهدية ثلاثة ايام و بين سوسة يومان و بين قابس ثلاثة ايام. و هي على البحر ذات سور و بها اسواق كثيرة و مساجد و جوامع و سورها صخر و اجر. و فيها حمامات و فنادق و قرى كثيرة و قصور جمة و رباطات على البحر و منائر يرقى اليها في مائة و ستة و ستين درجة في محرس يقال له بطرية و هي في وسط غابة الزيتون. و من زيتها يمتار اكثر اهل المغرب و كان يحمل الى مصر و صقلية و الروم, يكون فيها رخيصا جدا. يقصدها التجار من الافاق بالاموال لابتياع الزيت  وعمل اهلها القصارة و الكمادة مثل اهل الاسكندرية و اكثر

و الطريق من سفاقس الى القيروان ثلاث ايام و منها الى المهدية يومان. ينسب اليها ابو حفص عمر بن محمد ابن ابراهيم البكري السفاقسي المتكلم لقيه السلفي و انشده. و قال: كان من اهل الادب و له بالكلام انس تام و بالطب. انتقل الى مصر و اقام بها الى ان توفي في شهر ربيع الاول سنة 505ه [1111م] و كان يعرف بالذهبي و كان مولعا بالرد على ابي حامد الغزالي نقض كلامه

وقال التيجاني في رحلته “
وصلنا الى صفاقس ظهرا فرايت مدينة حاضرة ذات سورين يمشي الراكب بينهما و يضرب البحر في الخارج منهما و كانت بها قبل غابة الزيتون ملاصقة لسورها, فافسدتها العرب فليس بخارجها الان شجرة قائمة و فواكهها مجلوبة اليها من قابس و ماؤها شراب لا يساغ و انما يعتمدون في شربهم على ما يدخرونه من مياه الامطار. و يصطاد بها من السمك انواع تفوت الاحصاء. و ببحرها يوجد صوف البحر الذي يعمل منه الثياب الرفيعة الملوكية و ربما و جد في بحرها صدف يشتمل على لؤلؤ صغير الحب. و مرساها مرسى حسن ميت الماء يمد به و يجزر عنه كل يوم فاذا جزر استوت السفن على الحماة و اذا مد عامت و في هذا المد و الجزر يقول بعض المجيدين من شعرائها و هو علي بن حبيب التنوخي

سقيا لارض صفاقس ذات المصانع و المصلى

فحمى القصير الى الخليج فقصرها السامي و المعلى

بلد يكاد يقل حين تزوره: اهلا و سهلا

صب يريد زيارة فاذا راى الرقباء ولى

… و بها جامع حسن ذكر اللبيدي في اخبار الشيخ ابي اسحاق الجبنياني: ان علي بن سالم جد الشيخ ابي اسحاق هو الذي بناه و كان سحنون ولاه قضاء صفاقس و هو ولده من الرضاعة, ارضعته زوجة ام محمد بن سحنون, مع محمد. قال: و هو الذي بنى ايضا سور صفاقس بالطوب و بالطين و بنى المحرس المعروف في القديم بمحرس علي و عرف بعد ذلك بالمحرس الجديد و قد شاع في الناس تسمية صفاقس بلعنة الله و بلغ الامر في ذلك ان بعض الملوك قال لمن راجعه الكلام: الى لعنة الله فاخذ في الارتحال الى صفاقس

و كانت ولاتها في القديم تتردد عليها من قبل صنهاجة الى ان ولى المعز بن باديس عليهل منصور البرغواطي و كان من الفرسان المعروفين بالاقدام فاراد ان يثور بها و اخذ في محالفة العرب فعالجه ابن عمه حمو بن مليل و قتله غدرا في الحمام و ذلك في سنة احدى و خمسين و اربعمائة  [1059م]

الزيتونة في صفاقس في القرن 19

لقد مرت غراسة الزيتون بصفاقس بمراحل عدة عبر العصور فتأرجحت بين التدهور والازدهار بنشأة غابة الزيتون القديمة بعيدا عن الجنان واكتساب الفلاح الصفاقسي خبرة في مجال غراسة الزيتون و توفر الأدوات الفلاحية كالمحشة،المحراث العربي، مواجها بذلك قساوة الظروف الطبيعية وخاصة منها قلة المياه فضلا عن التقنيات التي اعتمدها ,المتمثلة خصوصا في تعميق الحفرة التي ستستقبل شجيرة الزيتون و الزبيرة ” التشذيب” و تكثيف الحراثة ” الميالي ‘ و ” المحشة

وشهد قطاع الزيتون في صفاقس منعرجا أساسيا سنة 1850 سيما مع احداث الحاج محمد التريكي لطريقة جديدة في غراستها و تصفيفها (17 اصل في الهكتار ) و قد احترمت الغراسة مسافة 24 و 25 مترا بين كل شجرة و بلغت مساحة الغابة 18000 الف هكتار سنة 1881 ضمت 380 الف شجرة ( وصل العدد الى 600 الف شجرة) ليتطور الى 200000 الف هكتار سنة 1905

وخلال فترة استحواذ المستعمر الفرنسي على عدة اراضي فلاحية توسعت غابة الزيتون توسعا كبيرا واسترعت مهارة الصفاقسية و ثراء تجربتهم في غراسة الزياتين و ارسائهم التقاليد خاصة بهم في طلبعة المساءل التي جلبت انتباه الفرنسيين

و شهدت غراسة الزياتين تحولا هاما خلال سنة 1892 تاريخ اصدار أمر فتح باب تمليك اراضي السيالين للعموم شريطة مباشرة الغراسة في ظرف أربع سنوات فتم غراسة مليون شجرة جديدة ، وقد اصبح الفرنسيون يتحدثون عن صفاقس العاصمة الاقتصادية البلاد.

وتعرضت الاراضي السيالية حول صفاقس لهجمة استيطانية بموجب امر 8 فيفري 1892 الذي شرع للإستيطان الرسمي لغابة الزيتون الصفاقسية

وتطور عدد أشجار الزيتون بصفاقس لتصبح الولاية بمثابة أكبر غابة زيتون في العالم بأكثر من 10 مليون شجرة ويضم هنشير الشعال من هذا العدد حوالي 400 ألف شجرة منتجة للزيتون ليتميز ويكون أكبر غابة زيتون في العالم بعد ضيعة كاليفورنيا الأمريكية .

عصر الزيتون في صفاقس كأحد أهم عناصر التراث الثقافي اللامادي

لا يمكن الحديث عن عصر الزيتون في صفاقس ضمن هذا المبحث قبل تغريف التراث الثقافي غير المادي وكذلك الاجابة عن السؤال التالي لم ينبغي صونه ؟

لقد تغير مصطلح «التراث الثقافي » في مضمونه تغيراً كبيراً في العقود الأخيرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى المعايير التي وضعتها اليونسكو. التي جعلت التراث الثقافي لا يقتصر على المعالم التاريخية ومجموعات القطع الفنية والأثرية، وإنما يشمل أيضا التقاليد أو أشكال التعبير الحية الموروثة من أسلافنا والتي ستنقل إلى أحفادنا، مثل التقاليد الشفهية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والمناسبات الاحتفالية، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، أو المعارف والمهارات المرتبطة بإنتاج الصناعات الحرفية التقليدية.

ويشكل التراث الثقافي غير المادي، بالرغم من طابعه الهش، عاملاً مهماً في الحفاظ على التنوع الثقافي في مواجهة العولمة المتزايدة. ففهم التراث الثقافي غير المادي للجماعات المختلفة يساعد على الحوار بين الثقافات ويشجع على الاحترام المتبادل لطريقة عيش الآخر.

وصف تّفصيلي ل”عصر الزيت بصفاقس ” كعنصر من التراث اللامادي التونسي

من أجل صون وتثمين التراث اللامادي التونسي أطلق المعهد الوطني للتراث مشروعا لجرده وكان من بين أهم العناصر المضمنة عنصر رحي الزيتون أو عصر الزيت بصفاقس وهذه لمحة عن أهم مكونات هذا العنصر الهام من التراث اللامادي من حيث المهارات المرتبطة بهذه الحرفة

تتلخص عمليّة عصر الزيت بصفاقس كما ورد في الجذاذة التي أصدرها المعهد الوطني للتراث والتي أعدها محافظ التراث السيدة دليلة بوزيان بالاشتراك مع االفقيد الباحث في ذات المعهد الدكتور فريد خشارم في “رحي حبّات الزيتون حتّى تخرج سوائله التي تحتوي ّ على نسبة من المرجين ونسبة من الزيت ثم فصل الزيت عن المرجين

وأكد الباحثان أن من أقدم طرق استخراج الزيت الطريقة اليدويّة وذلك في نطاق الأسرة، حيث يُرحى الزيتون ثم يدمك بالأرجل ويُطفح.هذا في النطاق العائلي الضيّق، أما كميّات الزيتون الكبيرة فكانت توجه مباشرة إلى المعاصر التي شهدت تطّورا في مكّوناتها منذ بداية القرن 20 وتواصل إلى زمن التاريخ الراهن.

تمّر عمليّة عصر الزيتون وفق ما ورد في البطاقة التي نعتمدها في عذا المقال ” بعدّة مراحل متتالية، فإثر توجيه الزيتون إلى المعصرة ووزنه على آلة تسمى “بسكولة”، يجمع الزيتون في مكان خاص يعرف بالمصرف يوجد في ساحة فسيحة وتختلف أعداده حسب حجم المعصرة، ليمّر بعدها في “الريّاشة” للتنظيف وإزالة األتربة وأوراق الزيتون، ثم ينقل الزيتون عن طريق عربة يدويّة صغيرة تسمى “فيس” إلى “المصب و انطالقا من المصب تنزل حبّات الزيتون في المكان المخصص للرحي يسمى “مدار” الذي يتكّون من مبنى مستدير يسمى “فرش” و”قرقابة” اسطوانيّة ضخمة متكّونة من عجلتين كبيرتين من الحجارة تدور على محور قائم وتستغرق عمليّة الرحي ساعة كاملة لتتحّول الثمار إلى عجينة.وتصب العجينة في حوض ويستخرج منها زيت النضوح إذ يطفو الزيت فوق العجينة التي تعبّأ في شوامي من الحلفاء وتطرح داخلها وتوضع في محور عمودي يسمى “الدوابل” ”.

تعصر العجينة حسب ما وردة في الجذاذة التي أعدها محافظ التراث السيدة دليلة بوزيان والدكتور فريد خشارم بالضغط على الشوامي مّما يمكن من اسخراج زيت يعرف “بزيت الدوابل” أو زيت العصرة الأولى الذي هو خليط من الزيت والمرجين،ولفصلهما تحول المادة المتحصل عليها إلى حوض مكسو بالخزف الأبيض يسمى “طفاحة، وذلك باستعمال وعاء متوسط الحجم به عروتان يسمى “بستيليا” ثم يضاف للمادة المنقولة للحوض كمية من الماء الساخن ويترك لمدة ساعة كاملة ليطفو الزيت في حين يستقر المرجين في قاع الطفاحة و يعبّأ هذا الزيت باستعمال “النحاسة”، الإناء الدائري الصغير ويسكب في مجاري اصطناعيّة تسمى “ساقية” نحو أواني التجميع حيث يستقر في الوقاف” شبيه بالبرميل ثم يحّول إلى البتيّة.

في الأثناء يعيد العملة أو “البحريّة” عصر العجينة ألأولى أو “الفيتورة” مّرة ثانية بإفراغ الشوامي أو “تفريك الفيتورة” ووضعها ثانية في الشوامي ومن ثمة الى “البرايز” أو “البرايس” وهي مكبسة تضغط على الشوامي لاستخراج الزيت العالق بالفيتورة ويسمى زيت بريسة أو زيت عصرة ثانية أو درجة ثانية وكذلك زيت “سيكوندة” وهو أقل جودة.

بعد إتمام جميع المراحل، يجمع الزيت المو ّجه للاستهالك في الجوابي وهي عبارة عن أحواض عميقة مكسيّة بالخزف ألأبيض أما الزيت المزمع تخزينه إلى بقيّة السنة أو الموجه إلى التصدير فيعبّأ في مواجل فسيحة تغلق بإحكام.

أ ّما بقيّة المواد وهي “الفيتورة” تجمع في فضاء فسيح يسمى “المنشر” تو ّجه إلى المصنع ويستخرج منها زيت قليل الجودة يسمى”زيت فيتورة” كما يصنع منه الصابون، في حين يجمع المرجين في أحواض خارجيّة تسمى “جوابي” ويوجه إلى المصبّات

الزيتونة في التراث الشفوي الصفاقسي

تعتبر التقاليد الشفويّة وأشكال التعبير الشفويّ بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير من أهم عناصر التراث الثقافيّ اللامادّي وفي صفاقس تحدث أجدادنا عن الزيتونة وأهميتها على المستوى الصحي والاقتصادي والاجتماعي وخزن زيت الزيتون في البيوت من أجل ادخاره لفترات الأزمات الاقتصادية وقد احتفظت الذاكرة بأمثال شعبية عدة تتحدث عن أهمية زيت الزيتون في التداوي والأكل من ذلك :

يعطيك سيل عاقب سيل في أول مارس يا ملبسة الحرير لهل العرايس

الماء الي ماشي للسدرة … الزيتونة أولى بيه

الكسب نخلة والغنى زيتونة

الزيت يخرج مالزيتونة … ويا سعد الي كلمته موزونة

الظل كرمة٫والهواء زيتونة

خبزي وزيتي عمارة بيتي

الزيت عمود البيت

الخبز مخبوز والزيت في الكوز

إشرب الزيت وناطح الحيط

خلي الزيت في جرارو حتى تجيك أسعارو

زيتنا في دقيقنا

طايش كيف الزيت على الماء

. ما بطلع الزيت إلا من كثر العصر

زيتها طيب ولقاطه يشيب

هذا فضلا عن بعض الأغاني النسائية التي نورد منها هذه المقاطع باسم الله بديت على سيد الأمة صليت …..زيتوني ما نقرقبه كونشي في البيت … زيتوني ما نقرقبه كونشي بيدي …. رحية بعد رحية ونسخن لمية … ونطفح زيتو ما نضيعش منو وقية …. إنادي معاي للرحي إميمة ووخية

وهذه الأغنية التي يتغنى بها في المعصرة والتي تؤكد أن الأهالي كانوا يعتمدون كذلك المعصرة لتحويل منتوجهم من الزيتون وفي أجواء احتفالية . زع يا جمل يهديك لا يفوتنا ….. للمعصرة سرح خطاك ليوم …وها العرس مكثر حفالتو .. وزياتينو تهز وتجيب

اضافة الى الأغنيىة التي قدمها ثلاثي الأنس لفرقة اذاعة صفاقس والتي يقول مطلعها تنور وتجيب زيتونتنا والغلة … تطيب في غابتنا … تنور في الغابة وفي الهنشير … وتجينا الصابة وأيام الخير … والفرح يزيد في رويحتنا … الى آخر الأغنية

هكذا اذا نلاحظ أن الزيتونة كانت حاضرة في تاريخ صفاقس وفي الموروث الثقافي اللامادي منذ القدم فهي لم تكن عنصرا غذائيا فحسب بل كانت ولا تزال مصدرا لاستلهام الأشعار والتغني

محمد المنجة

المصادر

الجرد الوطني للتراث الثقافي المادي للمعهد الوطني للتراث – جذاذة أعدها محافظ التراث السيدة دليلة بوزيان بالاشتراك مع االفقيد الدكتور فريد خشارم

الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة

أرشيف وزارة الفلاحة ( 2000)

صفاقس في كتب الرحلات العربية لزاهر كمون

موقع تاريخ صفاقس

شجرة الزيتون: موروث تاريخي و ثقافي هام في المجتمع الصفاقسي للبنى المسعودي بوحاجب

عبد الرحمان القلال:مقال حول الأعمال الفلاحية وآلات لخدمة الأرض والمحافظة على الماء وخزن الثرى، شمس الجنوب،2002

المتضلع في التراث الجهوي بصفاقس يوسف الشرفي

– كتاب دراسات في تاريخ القيروان الاجتماعي الدكتور الاسعد الدراجي- غراسة الزيتون وخدمتها موقع تاريخ صفاقس

– المختص في الجغرافيا والباحث في مجال غابات الزيتون التونسية طارق الزواغي

Imprimer cette pageImprimer Télécharger une version PDF de cet articlePDF