دخلت كرة القدم التونسية منذ 2005 عصر الاحتراف …تسمية فخمة، جرايات خياليّة، صفقات انتقال بمئات الآلاف من الدنانير، كلّ هذا يوحي بوجود احتراف من الطراز الرفيع بعد تجربة اللاهواية الّتي تحيل، كما يدلّ مسمّاها، على مرحلة انتقاليّة بين الهواية والاحتراف ولكنّ هذه المنزلة بين المنزلتين لازالت متواصلة، فالاحتراف لم يشمل إلا وضعيّة اللاعبين، بينما بقيت بقيّة البنية (الجمعيات والجامعات و الفكر السائد) هاوية وهو ما أدّى إلى احتراف أعرج هجين.
يستوجب الاحتراف حدّا أدنى من المداخيل القارّة الّتي تمكّن النادي من مجابهات الصعوبات الماليّة الّتي يمكن أن تعترضه والتي تفاقمت في عصر الاحتراف (ومن أسباب ذلك التضخّم في جرايات اللاعبين والمدرّبين)، وهذا الحدّ الأدنى يشكّل شرطا قبليّا للدخول في الاحتراف.

ان بنية الاحتراف في تونس، معكوسة. فالأندية،ومنها النادي الصفاقسي تعوّل بشكل أساسي ويكاد يكون حصريّا على الهبات وخاصة رئيس الجمعية الذي يجد نفسه في فوهة بركان الطلبات المالية بعد أن يتخلى عنه الجميع ويكفي أن نشير الى تجربة الرئيس السابق المنصف خماخم الذي آل به الوضع الى ضخ المليارات من ماله الخاص والمعاناة من المرض واجراء عدة عمليات جراحية لانقاذ حياته
هذا التعويل على التبرّعات يجعل الأندية في حالة ترقّب دائم للمحسنين، ولا تكون قادرة على العمل إلا إذا تكرّم الواهب المحسن بالتفضّل بعطاياه، وإلا فلن يتمكّن النادي من سداد المتخلّد بذمّته.
ان الاعتماد شبه الكلّي على التبرّعات غير مستغرب. فالنوادي في تونس تبقى جمعيّات، أي أنّها ،حسب تعريف الجمعيّة، لا تهدف إلى تحقيق الأرباح. فهي تقوم على التطوّع ومسيّروها لا يتقاضون، أو لا يفترض أن يتقاضوا، أموالا مقابل أدائهم لمهامهم الّتي تفترض منهم الكثير من الوقت والجهد. وبالتالي يصبح التسيير في الجمعيّة مسؤوليّة ثقيلة بما أنّه يفترض تفرّغا
كما أن قيام الجمعيّات على مبدأ التطوّع يقلّص من جودة الخدمات المسداة. فالمسيّرون ليسوا مختصّين في التصرّف الرياضي بل أنّهم ينحدرون من ميادين مختلفة ويديرون جمعيّاتهم على حدّ درايتهم وتفرّغهم وهم غير قادرين على جلب الأموال بغير الطرق الممكنة للجمعيّات. مسيّرون متطوّعون يشرفون على لاعبين محترفين، وتلك هي المفارقة التي أدت إلى تخبّط عجيب في القرارات

محمد المنجة